الشريف المرتضى
70
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
منها إذا لم تكرّر » « 1 » ، ولكن المرتضى وهو مفسّر القرآن بالقرآن ينظر إلى السياق وأثره في توجيه المعنى ، فهناك ما ينوب عن التكرار في الآية وهو قوله تعالى : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا « 2 » ، وكان الزجاج قد سبق إلى هذا المعنى ، وأشار إلى ذلك بقوله : « المعنى فلم يقتحم العقبة ، كما قال : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى « 3 » ولم يذكر « لا » إلّا مرّة واحدة ، وقلما يتكلّم العرب في مثل هذا المكان إلّا « بلا » مرّتين أو أكثر . . . والمعنى في « فلا صدّق ولا صلّى » موجود . . . لأن قوله : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تدلّ على معنى فلا اقتحم العقبة ولا آمن » « 4 » . ولم يكتف المرتضى وهو يفسّر القرآن بالقرآن بالقرائن المتّصلة المحيطة بالمفردة ، بل يعمد إلى الاستدلال بآيات من سور أخرى ، ونراه - في بعض الأحيان - يجمع القرائن المتّصلة والقرائن المنفصلة لبيان المعنى المستفاد من النصّ القرآني ، ففي قوله تعالى : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ « 5 » ، يفسّر المرتضى « الغواية » بمعنى الخيبة وحرمان الثواب ، فكأنه تعالى قال : « إن كان اللّه يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم وكفركم ، ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه ، إلّا أن تقلعوا وتتوبوها » « 6 » . ويعلل هذا التوجيه بقوله : « وقد سمّى اللّه تعالى العقاب غيا ، فقال : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا « 7 » ، وما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه ، وأنّ القوم استعجلوا عقاب اللّه تعالى : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي « 8 » الآية ، فأخبر أنّ نصحه لا ينفع من يريد اللّه أن ينزل به العذاب ، ولا يغني عنه شيئا » « 9 » .
--> ( 1 ) العين ، 8 : 350 . ( 2 ) سورة البلد : الآية : 17 . ( 3 ) سورة القيامة ، الآية : 31 . ( 4 ) معاني القرآن ، 5 : 329 ، وينظر معاني القرآن « للفرّاء » ، 3 / 264 . ومغني اللبيب 1 : 269 . ( 5 ) سورة هود ، الآية : 34 . ( 6 ) أمالي المرتضى ، 2 : 246 . ( 7 ) سورة مريم ، الآية : 59 . ( 8 ) سورة هود ، الآيتان : 32 ، 34 . ( 9 ) أمالي المرتضى ، 2 : 246 .